الإعلام الإنساني


بقلم الدكتور/ خالد الخاجه

«لا إنسان من دون إعلام ولا إعلام بلا إنسانية» تلك هي العبارة الجامعة التي أكد عليها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ،نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، في افتتاح فعاليات منتدى الإعلام العربي الخامس عشر بدبي، ذلك المنتدى الذي أصبح ما يخرج عنه من أهم النتائج التي يمكن البناء عليها في رسم خريطة الإعلام العربي، ووضع محددات العمل في المرحلة المقبلة سواء من حيث مساهمة الإعلام العربي في المشهد الإعلامي العالمي ..

وكذلك واقع الإعلام بجناحيه التقليدي والرقمي والمساحة التي يغطيها كل منهما، فضلا عن حالات التحول التي تحدث لجمهور الإعلام العربي وبخاصة الشباب منهم، إضافة إلى صناعة الإعلام العربي ذاتها واقتصادياتها في ظل تعدد المنصات البديلة وما ينبغي على المؤسسات الإعلامية التقليدية أن تقوم به.

إن أهمية منتدى الإعلام العربي بدبي تأتي من أنه الحدث الكبير الذي حلق بعيدا عن الخلافات أو الاختلافات السياسية رغم أنها جزء من القضايا التي يتم تناولها وهي انعكاس لها، كذلك كما أنه الحدث الكبير الذي لم تمنعه الإشكالات السياسية النظر إلى القضايا المعروضة والمسائل الخاضعة للبحث، على الرغم من أن ذلك يتطلب مشرط جراح حريص أن يضعه وأن يتوقف فنأى بنفسه .

ومن يتابعه عن كل غرض ذاتي، وتعامل باحترافية شديدة ومهنية عالية يؤطرها منهج أكاديمي أكسبه الثقة والتقدير، وبات عيدا إعلامياً ينتظره الصناع والأكاديميون والدارسون والممارسون، ذلك أنه لا يهتم فقط برصد واقع المشهد الإعلامي العربي لكنه يمثل نظرة استشرافية لمستقبله من خلال رصد مؤشرات حالية، وهو ما من شأنه أن يرشد مسيرة العمل الإعلامي العربي ويطور من أدائه.

ولا شك أن ذلك الإطار الإنساني، الذي أحاط به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد منتدى الإعلام العربي في دورته الخامسة عشرة، يؤكد على أهمية تصحيح الكثير من مفاهيم الممارسات الإعلامية ونحت المفاهيم التي تلائمنا وتعبر عنا.

إن خطورة الكثير من المفاهيم الإعلامية تأتي من كونها ترجمة لرؤى تقارب بيئات ومجتمعات لها اختلافاتها في حين أن الإعلام ابن بيئته وانعكاس لها ومساهم فيها، لذا فإن الإعلام الإنساني هو الذي يجعل من مصلحة الجمهور هي مصلحته الحقيقة وينأى بنفسه عن كل ما يحد من دوره وينال من مصداقيته، هو الإعلام البعيد عن المذهبية أو العرقية.

في تقديري أن الإعلام الإنساني هو المفهوم الأنسب ليس لمنطقتنا العربية فحسب بل هو المفهوم الذي ينبغي أن يتماهى معه كل العاملين في حقل الإعلام، ذلك أن الضبابية التي يعاني منها المشهد الإعلامي العالمي أزاحت الكثير من الحقائق الصافية للحدود بين القواعد المهنية والمصالح الذاتية أو القطرية. إنسانية الإعلام تعني أول ما تعني أن يكون البحث عن الحق والحقيقة هو الهدف، أو يكون عرضها في إطار من احترام خيارات الناس دون الزج بهم في متاهات يضيع فيها الحابل بالنابل لا يزيد معها الفرد إلا تشويشا. الإعلام الإنساني يعني أن تحمل الرسالة الإعلامية معاني سامية حتى وهي تقدم أكثر الرسائل تعقيدا؛

بما يعني ألا تدق طبول الأزمات والصراعات على الشاشات قبل أن تدور رحاها على أرض الواقع، وهو الإعلام الذي لا يعيش على الحوادث بقدر ما يعيش لأن يقدم قيمة حقيقية لا يستطيع الفرد أن يكون في غنى عنها، هو الإعلام الذي لا تمتلكه وتلهب ظهره سياط الرغبة في السبق بقدر اهتمامه بالمصداقية والتأكد من حقيقة ما يقدمه..

وهو الأمر الذي سيجعل له السبق الدائم لا في تقديم الخبر فحسب، وهو أمر لحظي، بقدر ما هو السبق في تقديم الحقيقة وهي الأدوم والأقوى، كما أنه الإعلام الذي لا يبحث عن الإثارة في ما يقدمه بقدر ما يبحث عن الأهمية، فليس كل مثير مهماً، هو الذي يقوم بدور مهم في نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر، لأن الله سبحانه وتعالى لو شاء لخلقنا جميعا أمة واحدة، فكان الاختلاف نعمة أفادت منها البشرية على مدى التاريخ عبر تبادل الخبرات الناتجة عن الخصوصية، غير أن بعض الممارسات الإعلامية تتناول الاختلاف بمعنى الإقصاء..

وأن ما أقوله صواب وما عداه خطأ، وما يقوله الغير خطأ لا صواب فيه، هذا المنطق الإقصائي للممارسات الإعلامية جنح إلى نشر التعصب والكراهية حتى أصبح من الصعوبة بمكان أن تخلد للنوم بهدوء بعد مشاهدة بعض البرامج الإعلامية على قنواتنا العربية تجعل من إظلام حياة الناس وبث اليأس في نفوسهم هدفا لها، هو الإعلام الذي يعبر عن الناس..

وهو صوتهم عبر نقل قضاياهم وإلقاء الضوء على جوانب الخلل إن وجدت لا من باب جلد الذات بقدر ما هي الرغبة في التعامل معها والتوعية بها في الوقت الذي ينبغي فيه إلقاء الضوء كذلك على النماذج الإيجابية وجوانب النجاح والتنمية حتى لا يصاب الجمهور بالإحباط، وحتى تكون الجوانب الإيجابية محفزة للغير للسير على النهج ذاته.

الشاهد أن الإعلام الإنساني يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرق، وسيلة تنموية لا معوق لها، ينشر التسامح ولا يزرع بذور التعصب ويرعاها ويعيش عليها، إعلام يجعل مصلحة الوطن قبل المصالح الذاتية، يرى أن الإعلام كما هو صناعة فهو كذلك رسالة وخدمة، هنا يكون الإعلام إنساني بحق.