المستقبل في فكر محمد بن راشد


بقلم الدكتور/ خالد الخاجه

إن توجيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم القمة العالمية للحكومات بالبدء ببناء شراكات دولية، وإطلاق مبادرات معرفية حكومية بالتعاون مع الحكومات حول العالم، بهدف استشراف الجيل القادم من حكومات المستقبل، وتعزيز جاهزية الحكومات للتغيرات والتحديات المستقبلية في كل القطاعات، ليؤكد أن صناعة المستقبل وانطلاقها من أرض الإمارات هي العنوان الأمثل الذي يمكن أن يطلقه المتابع على ما يحدث، لأن التخطيط للمستقبل هو القضية التي تضعها القيادة الرشيدة في مقدمة أولوياتها.
ذلك أن القيادة الحقة، التي تجعل من المستقبل شغلها الشاغل، والتي لا تنظر فقط إلى ما حققته من نجاحات شخصت إليها أنظار العالم أجمع واكتسبت بها محبة شعبها وتقدير العالم من شرقه وغربه لكنها تتطلع إلى الأجيال القادمة، فكما هيأت للأجيال المعاصرة الحياة الكريمة فهي حريصة..
كذلك على الأجيال الجديدة باعتبارهم امتداداً للجيل الحالي، لذا لا تكاد تراها تتحدث إلا والمستقبل هو الكلمة الغالبة، ومن يحلل مفردات خطاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يجد أن المستقبل والحديث عنه هو القضية الأهم باعتبار أن نجاحات الحاضر يجب ألا تنسينا تحديات المستقبل.
وفي تقديري أنها الرسالة الأبرز، التي يجب أن نتوقف عندها طويلا كأبناء هذا الوطن الكريم، بأنه لا ينبغي أن ننظر إلى ما بين أيدينا من مقدرات، نحمد الله تعالى أن هيأها لنا وهيأ لنا قادة جعلوا لسعادة شعبهم وزارة، دون أن ننظر إلى المستقبل يحمل لنا التحديات الكثيرة والتي يجب أن نعد العدة لمواجهتها، كما أنه يحمل في الوقت نفسه الفرص المتعددة التي يجب أن نقتنصها ونكون بها فاعلين، وكما قال الشاعر «وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا».
إن مرورا يأخذ غيضا من فيض فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ورؤيته للمستقبل يضيء لنا ملامح كثيرة، هذه الرؤية المنطلقة من استيعاب الواقع ومعرفة علله، والشاهد ما يقوله سموه «إن المرحلة الحالية تتسم بحساسية بالغة..
وقد تكون من أكثر مراحل التاريخ تعقيداً وأهمية، ونتائجها ستحدد مستقبل العالم، والمستقبل لن تشكله الحروب بقدر ما سيشكله التسامح واحترام الفكر، ونصرة الحق والعدالة والسلام، وهزيمة عوامل التراجع، والتفكك والتدمير»، ليؤكد أن التسامح هو الأساس الذي يجب أن نتفق عليه، فبدونه ستظل البشرية في حالة من الصراع لا التكامل.
والهدم لا البناء، والتنابز لا التعاون، والفرقة لا التوحد، وكلها عوامل لا تبني أمما ولا تقيم حضارات، وقيادتنا الرشيدة في ذلك متسقة مع حركتها على أرض الواقع، لذا كان تعيين وزير التسامح ليؤكد أن ما تعتقده القيادة يصبح ماثلا على الأرض، يلمس الناس آثاره.
كما أن تأكيد سموه على أن مسيرتنا طويلة وصعبة، لأنها مسيرة اشتباك بين قوى التقدم وقوى التخلف، وبين عوامل البناء وعوامل الهدم، وثقة سموه بحتمية الانتصار مستندا إلى منطق التاريخ في التطور، ومن يدرك هذا المنطق فقد امتلك أهم الأسلحة التي أنتجتها المراحل التاريخية المتعاقبة، ألا وهي المعرفة والعلوم والانحياز دوماً إلى مصلحة الشعوب.
وسموه في هذا لم يكتف بالتشخيص الدقيق للحالة وفقط غير أنه أبان علامات على الطريق نحو المستقبل بالعلم والمعرفة، مؤكدا أن الحفاظ على الريادة وإدامة النمو والازدهار يتطلبان الانتقال إلى عصر اقتصاد المعرفة وبأسرع ما يمكن.
كما أن المستقبل، الذي تعنيه القيادة الرشيدة، لا يخص أبناء الإمارات وحدهم لكنها نظرة أوسع وأرحب يحتمي بظلالها محيطها العربي، وهنا يؤكد سموه على العرب أن يعملوا معًا أو يخسروا جميعًا، عليهم أن يبادروا، فالمبادرة سحر وعبقرية وقوة، لا الآلة ولا المال، بل الإنسان هو الذي يصنع النجاح والمستقبل.
ثم يضع أمام كل مريد للوصول إلى الغايات الكبرى سبل الوصول قائلا «لقد نجحنا لأننا اعتبرنا دائمًا أن الغد يوم جديد، وأن ما تحقق في الأمس قد تحقق، وأن التاريخ الذي نكتبه هو ما ننجزه في المستقبل وليس ما أنجزناه في الماضي».
وفي تقديري أن ذلك الذي يبقي على جذوة الدافعية متقدة، لأن آفة أصحاب الإنجاز هي الركون إلى ما قدموه قانعين به يجترونه يوما بعد يوم، غير أن سموه يبرأ لأبناء شعبه من هذه الآفة قائلا «التوقف معناه التراجع، فلا بد أن تبدع باستمرار، فإن لم تستطع عليك أن تترك المكان لغيرك».
وهذا يعني أن التقييم في القرن الحادي والعشرين سيكون على أساس المعلومات، مجتمعات تعرف وأخرى لا تعرف، وإن اتساع الهوة المعرفية يحرم معظم الدول النامية من المشاركة الحقيقية في الاقتصاد العالمي الجديد مما قد يعرضها لمخاطر كثيرة تبدأ بالاقتصاد وتتسع لتشمل الاستقرار والأمن. وعندي أن المقولة الأكثر دلالة على المستقبل في فكر سموه «نحن لا ننتظر الأحداث بل نصنعها».
فطوبى لمن هم ونهض، وطوبى لمن نظر وبصر، وطوبى لمن تدبر وانطلق، وطوبى لمن انطلق فأبهر وشيد، وطوبى لمن شيد محبته في قلوب شعبه، وطوبى لمن أحب رمال هذا الوطن.