حُقَّ لها أن تحتفل


بقلم الدكتور/ خالد الخاجه

الثامن من مارس هو اليوم الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للمرأة، وهو اليوم الذي أصدرت فيه الأمم المتحدة عام 1977، قراراً يدعو دول العالم إلى اعتماد أي يوم من السنة يختارونه للاحتفال بالمرأة، فقررت غالبية الدول اختيار الثامن من مارس، وأصبح ذلك اليوم الذي تحتفل فيه المرأة بما حققته في المجالات السياسية والاجتماعية، وتتويجاً لمسيرة عبر عقود من العمل والجهد.
ولا شك أن المجتمعات الإنسانية تتقدم إذا استثمرت طاقات كل فرد فيها، باعتبارها قوى حيوية لحركة المجتمع لا تنضب ولا تنفذ، ورعاية المرأة وتمكينها، أحد أبرز المعايير التي تدل على تقدم المجتمع وتطوره.
وقد شهد العالم لدولة الإمارات العربية المتحدة بالتقدم والتطور، فمن خلال الإحصاءات، احتلت الإمارات مكانة متميزة في تمكين المرأة، ولن أكون مغالياً إذا ذهبت إلى أبعد من ذلك، بالقول إن المرأة الإماراتية سبقت الكثير من نساء العالم في التمتع بحقوقهن عبر تاريخ حافل، ذلك لأن ديننا الإسلامي الحنيف، والأخلاق العربية الأصيلة، وميراثنا التاريخي، وواقعنا الاجتماعي، جعل الكرم وطيب الخلق وتمام الرجولة والفتوة، قريناً لإكرام المرأة والحفاظ عليها ووضعها في المكانة التي تليق بها.
باعتبارها أماً معنية بإخراج جيل مؤهل لتحمل المسؤولية، كما أنه جعل من اللؤم والخسة وسوء الطبع، قرناء للرجل الذي يهين المرأة أو يتغول على حقوقها أو يستغلها لإجبارها على ما تكره، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لصحبه ولمن يأتي بعدهم «ما أهانهن إلا لئيم، وما أكرمهن إلا كريم»، وفي وصيته الأخيرة في خطبة الوداع، وصى رجال أمته قائلاً «واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً».
لذا، كانت المرأة الإماراتية حاضرة تاريخياً دوماً، من خلال تربية الأبناء ورعايتهم، وكذلك تحمل المسؤولية مع الرجل من خلال إدارة شؤون الأسرة في ظل غياب الرجل في البحر لشهور، حين كان الصيد هو المصدر الأول لكسب العيش.
ومع قيام دولة الاتحاد، حصلت المرأة الإماراتية على دعم من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث أكد في فترة مبكرة «إن ما حققته المرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة في فترة وجيزة، يجعلني سعيداً ومطمئناً بأن ما غرسناه بالأمس بدأ اليوم يؤتي ثماره، ونحمد الله أن دور المرأة في المجتمع بدأ يبرز ويتحقق لما فيه خير أجيالنا الحالية والقادمة».
وهو ما يؤكد أن الدور المنوط بالمرأة لم يكن غائباً عن المؤسسين، وأن أدواراً أكبر تنتظرها مع حركة البناء والتنمية والتطور للدولة الاتحادية، تتناسب مع كل مرحلة، باعتبار أنها تمثل الجناح الثاني لعملية التطور في الدولة، وآية ذلك، أن دستور دولة الاتحاد ضمن للمرأة مساواة مع الرجل في كافة الحقوق والواجبات، باعتبار أن المساواة ركيزة من ركائز المجتمع الإماراتي، وما يترتب على ذلك من حقوق اجتماعية، مثل الحق في التعليم، وكذلك الحق في فرص العمل للجنسين.
غير أنه من الجدير بالتوقف، أن القيادة الرشيدة في دعوتها للمرأة للمشاركة في مسيرة البناء، إبان عهد المؤسس، ومتابعة سمو الشيخة فاطمة بن مبارك أم الإمارات، وعندما تسلم دفة القيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، تمت عبر برامج مستمرة لتأهيل المرأة الإماراتية، وتنمية قدراتها.
حتى تصبح مشاركتها فعالة ومؤثرة، وهو ما أتاح لها مكانة كبيرة في المجتمع الإماراتي، بعدما أثبتت جدارة مستحقة، من خلال دورها المؤثر في السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية.
خاصة بعد أن حققت دولة الإمارات إنجازاً تاريخياً غير مسبوق على المستوى المحلي والعربي، بفوز الدكتورة أمل عبد الله القبيسي بمنصب رئيس المجلس الوطني الاتحادي عن الفصل التشريعي السادس عشر، وهو ما يؤكد أن دور المرأة في مسيرة الدولة ومكانتها، هو دور مؤسس قائم على قناعات القيادة بقدراتها، وأن آفاق التمكين أمامها مفتوحة مثل غيرها، والفيصل هو القدرة على العطاء والإنجاز.
وهو ما يمثل دافعاً كبيراً ونموذجاً تحتذي به المرأة الإماراتية لتولي دورها القيادي في كافة المؤسسات والدوائر، ما دامت تملك المؤهلات لذلك، شأنها في ذلك شأن الرجل تماماً، خاصة أن النساء يمثلن 70 % من خريجي الجامعات بالدولة، كما يشغلن ثلثي الوظائف الحكومية.
وإذا جاز للمرأة أن تحتفل في الثامن من مارس كل عام بيومها العالمي، فقد حُقَ للمرأة الإماراتية أن تحتفل به كل يوم، لأنه مع كل إشراقة يوم جديد، تحقق إنجازاً جديداً يضاف إلى رصيد إنجازاتها، ويؤكد الإرادة السياسية من القيادة الرشيدة لتمكينها، حتى بات واقعاً يستوجب أن تحتفل به على مدار العام، وليس في يومها العالمي فحسب.